فصل: سورة الذاريات

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏(‏30‏)‏‏}‏

ظرف متعلق ب ‏{‏قال لا تختصموا لدى‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 28‏]‏‏.‏ والتقدير‏:‏ قال لهم في ذلك القول يوم يقول قولاً آخر لجهنم ‏{‏هل امتلأت‏}‏‏.‏ ومناسبته تعليقه به أن هذا القول لجهنم مقصود به ترويع المدفوعين إلى جهنم أن لا يطمعوا في أن كثرتهم يضيق بها سعة جهنم فيطمع بعضهم أن يكون ممن لا يوجد له مكان فيها، فحكاه الله في القرآن عبرة لمن يسمعه من المشركين وتعليماً لأهل القرآن المؤمنين ولذلك استوت قراءة ‏{‏يقول‏}‏ بالياء، وهي لنافع وأبي بكر عن عاصم جريا على مقتضى ظاهر ما سبقه من قوله‏:‏ ‏{‏قال لا تختصموا لدى‏}‏‏.‏ وقراءة الباقين بالنون على الالتفات بل هو التفات تابع لتبديل طريق الإخبار من الحديث عن غائب إلى خطاب حاضر‏.‏

والقول الأول حقيقي وهو كلام يصدر من جانب الله بمحض خلقه دون واسطة‏.‏ فلذلك أسند إلى الله كما يقال القرآن كلام الله‏.‏

والاستفهام في ‏{‏هل امتلأت‏}‏ مستعمل في تنبيه أهل العذاب إلى هذا السؤال على وجه التعريض‏.‏

وأما القول لجهنم فيجوز أن يكون حقيقة بأن يخلق الله في أصوات لهيبها أصواتاً ذات حروف يلتئم منها كلام، ويجوز أن يكون مجازاً عن دلالة حالها على أنها تسع ما يلقى فيها من أهل العذاب بأن يكشف باطنها للمعروضين عليها حتى يروا سعتها كقول الراجز‏:‏

امتلا الحوض وقال‏:‏ قطني *** والاستفهام في ‏{‏هل من مزيد‏}‏ مستعمل للتشويق والتمنّي‏.‏

وفيه دلالة على أن الموجودات مشوقة إلى الإيفاء بما خلقت له كما قال الشيطان ‏{‏قال فبما أغويتني لأقعُدَنّ لهم صراطك المستقيم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وفيه دلالة على إظهار الامتثال لما خلقها الله لأجله، ولأنها لا تتلكّأ ولا تتعلل في أدائه على أكمل حال في بابه‏.‏

والمزيد‏:‏ مصدر ميمي، وهو الزيادة مثل المجيد والحَمِيد‏.‏ ويجوز أن يكون اسم مفعول من زاد، أي هل من جماعة آخرين يُلقون فيَّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 35‏]‏

‏{‏وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ‏(‏31‏)‏ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ‏(‏32‏)‏ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ‏(‏33‏)‏ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ‏(‏34‏)‏ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ‏(‏35‏)‏‏}‏

عطف ‏{‏وأزلفت‏}‏ على ‏{‏يقول لجهنم‏}‏‏.‏ فالتقدير‏:‏ يوم أزلفت الجنة للمتقين وهو رجوع إلى مقابل حالةِ الضالّين يومَ يُنفخ في الصور، فهذه الجملة متصلة في المعنى بجملة ‏{‏وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 21‏]‏ ولو اعتبرت معطوفة عليها لصح ذلك إلا أن عطفها على جملة ‏{‏يوم يقول لجهنم هل امتلات‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 30‏]‏ غنية عن ذلك ولا سيما مع طول الكلام‏.‏

والإزلاف‏:‏ التقريب مشتق من الزَلَف بالتحريك وهو القربة، وقياس فعله أنه كفَرِح كما دل عليه المصدر ولم يُرو في كلامهم، أي جعلت الجنة قريباً من المتقين، أي ادْنُوا منها‏.‏

والجنة موجودة من قبل وُرود المتَّقين إليها فإزلافها قد يكون بحشرهم للحساب بمقربة منها كرامة لهم عن كلفة المسير إليها، وقد يكون عبارة عن تيسير وصولهم إليها بوسائل غير معروفة في عادة أهل الدنيا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏غير بعيد‏}‏ يرجح الاحتمال الأول، أي غير بعيد منهم وإلاّ صار تأكيداً لفظياً ل ‏{‏أُزلفت‏}‏ كما يقال‏:‏ عاجل غير آجل، وقوله‏:‏ ‏{‏وأضل فرعون قومه وما هدى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 79‏]‏ والتأسيس أرجح من احتمال التأكيد‏.‏

وانتصب ‏{‏غير بعيد‏}‏ على الظرفية باعتبار أنه وصف لظرف مكان محذوف‏.‏ والتقدير‏:‏ مكاناً غير بعيد، أي عن المتقين‏.‏ وهذا الظرف حال من ‏{‏الجنة‏}‏‏.‏ وتجريد ‏{‏بعيد‏}‏ من علامة التأنيث‏:‏ إما على اعتبار ‏{‏غير بعيد‏}‏ وصفاً لمكاننٍ، وإمّا جَريٌ على الاستعمال الغالب في وصف بَعيد وقريب إذا أريد البعد والقرب بالجهة دون النسب أن يُجرَّدَا من علامة التأنيث كما قاله الفرّاء أو لأن تأنيث اسم الجنة غير حقيقي كما قال الزجاج، وإما لأنه جاء على زنة المصدر مثل الزئير والصَّليل، كما قال الزمخشري، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن رحمة الله قريب من المحسنين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 56‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏هذا ما توعدون‏}‏ معترضة، فلك أن تجعلها وحدها معترضة وما بعدها متصلاً بما قبلها فتكون معترضة بين البدل والمبدل منه وهما ‏{‏للمتقين‏}‏ و‏{‏لكل أواب‏}‏، وتجعل ‏{‏لكل أواب‏}‏ بدلاً من ‏{‏للمتقين‏}‏، وتكرير الحرف الذي جُرّ به المبدَل منه لقصد التأكيد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال الذين استكبروا للذين استضعفوا‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 32‏]‏ لمن آمن منهم الآية وقوله‏:‏ ‏{‏ولأبَوَيْه لكلّ واحد منهما السدس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏‏.‏ واسم الإشارة المذكر مراعى فيه مجموع ما هو مشاهد عندهم من الخيرات‏.‏

والأوّاب‏:‏ الكثير الأوب، أي الرجوع إلى الله، أي إلى امتثال أمره ونهيه‏.‏

والحفيظ‏:‏ الكثير الحفظ لوصايا الله وحدوده‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه محافظ على الطاعة فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة‏.‏

و ‏{‏من خشي الرحمن بالغيب‏}‏ بدل من ‏{‏كل أوّاب‏}‏‏.‏ والخشية‏:‏ الخوف‏.‏ وأطلقت الخشية على أثرها وهو الطاعة‏.‏

والباء في ‏{‏بالغيب‏}‏ بمعنى ‏(‏في‏)‏ الظرفية لتنزيل الحال منزلة المكان، أي الحالة الغائبة وهي حالة عدم اطِّلاع أحد عليه، فإن الخشية في تلك الحالة تدل على صدق الطاعة لله بحيث لا يرجو ثناء أحد ولا عقاب أحد فيتعلق المجرور بالتاء بفعل ‏{‏خشي‏}‏‏.‏

ولك أن تبقي الباء على بعض معانيها الغالبة وهي الملابسة ونحوها ويكون ‏{‏الغيب‏}‏ مصدراً والمجرور حالاً من ضمير ‏{‏خشي‏}‏‏.‏

ومعنى ‏{‏وجاء بقلب منيب‏}‏ أنه حضر يوم الحشر مصاحباً قلبَه المنيب إلى الله، أي مات موصوفاً بالإنابة ولم يُبطل عمله الصالح في آخر عمره، وهذا كقوله حكاية عن إبراهيم ‏{‏يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 88، 89‏]‏‏.‏

وإيثار اسمه ‏{‏الرحمن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من خشي الرحمن‏}‏ دون اسم الجلالة للإشارة إلى أن هذا المتقي يخشى الله وهو يعلم أنه رحمان، ولقصد التعريض بالمشركين الذين أنكروا اسمه الرحمان ‏{‏وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 60‏]‏‏.‏

والمعنى على الذين خَشُوا‏:‏ خشي صاحب هذا الاسم، فأنتم لا حَظَّ لكم في الجنة لأنكم تنكرون أن الله رحمان بَلْهَ أن تخْشَوْه‏.‏

ووصفُ قلب ب ‏{‏مُّنِيب‏}‏ على طريقة المجاز العقلي لأن القلب سبب الإنابة لأنه الباعث عليها‏.‏

وجملة ‏{‏ادخلوها بسلام‏}‏ من تمام مقول القول المحذوف‏.‏ وهذا الإذن من كمال إكرام الضيف أنه إن دُعِي إلى الوليمة أو جيء به فإنه إذا بلغ المنزل قيل له‏:‏ ادخل بسَلام‏.‏

والباء في ‏{‏بسلام‏}‏ للملابسة‏.‏ والسلام‏:‏ السلامة من كل أذى من تعب أو نصب، وهو دعاء‏.‏ ويجوز أن يراد به أيضاً تسليم الملائكة عليهم حين دخولهم الجنة مثل قوله‏:‏ ‏{‏سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 58‏]‏‏.‏

ومحل هذه الجملة من التي قبلها الاستئناف البياني لأن ما قبلها يثير ترقب المخاطبين للإذن بإنجاز ما وعدوا به‏.‏

وجملة ‏{‏ذلك يوم الخلود‏}‏ يجوز أن تكون مما يقال للمتقين على حد قوله‏:‏ ‏{‏فادخلوها خالدين‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 73‏]‏، والإشارة إلى اليوم الذي هم فيه‏.‏ وكان اسم الإشارة للبعيد للتعظيم‏.‏ ويجوز أن تكون الإشارة إلى اليوم المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏يوم يقول لجهنم هل امتلات‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 30‏]‏ فإنه بعد أن ذكر ما يلاقيه أهل جهنم وأهل الجنة أعقبه بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك يوم الخلود‏}‏ ترهيباً وترغيباً، وعلى هذا الوجه الثاني تكون هذه الجملة معترضة اعتراضاً موجهاً إلى المتقين يوم القيامة أو إلى السامعين في الدنيا‏.‏ وعلى كلا الوجهين فإضافة ‏{‏يوم‏}‏ إلى ‏{‏الخلود‏}‏ باعتبار أن أول أيام الخلود هي أيام ذات مقادير غير معتادة، أو باعتبار استعمال ‏{‏يوم‏}‏ بمعنى مطلق الزمان‏.‏

وبين كلمة ‏{‏ادخلوها‏}‏ وكلمة ‏{‏الخلود‏}‏ الجناس المقلوب الناقص، ثم إن جملة ‏{‏لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد‏}‏ يجوز أن تكون من بقية ما يقال للمتقين ابتداء من قوله‏:‏ ‏{‏هذا ما توعدون لكل أوّاب حفيظ‏}‏ فيكون ضمير الغيبة التفاتاً وأصله‏:‏ لكم ما تشاؤون‏.‏ ويجوز أن تكون مما خوطب به الفريقان في الدنيا وعلى الاحتمالين فهي مستأنفة استئنافاً بيانياً‏.‏

و ‏{‏لدينا مزيد‏}‏، أي زيادة على ما يشاؤون مما لم يخطرُ ببالهم، وذلك زيادة في كرامتهم عند الله ووردت آثار متفاوتة القوة أن من المزيد مفاجأتهم بخيرات، وفيها دلالة على أن المفاجأة بالإنعام ضرب من التلطف والإكرام، وأيضاً فإن الأنعام يجيئهم في صور معجبة‏.‏

والقول في ‏{‏مزيد‏}‏ هنا كالقول في نظيره السابق آنفاً‏.‏

وجاء ترتيب الآيات في منتهى الدقة فبدأت بذكر إكرامهم بقوله‏:‏ ‏{‏وأزلفت الجنة للمتقين‏}‏، ثم بذكر أن الجنة جزاؤهم الذي وعدوا به فهي حق لهم، ثم أوْمَأت إلى أن ذلك لأجل أعمالهم بقوله‏:‏ ‏{‏لكل أوّاب حفيظ مَن خشي الرحمان‏}‏ الخ، ثم ذكرت المبالغة في إكرامهم بعد ذلك كله بقوله‏:‏ ‏{‏ادخلوها بسلام‏}‏، ثم طمْأنهم بأن ذلك نعيم خالد، وزِيد في إكرامهم بأن لهم ما يشاؤون ما لم يروه حين الدخول، وبأن الله عدهم بالمزيد من لدنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 37‏]‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏36‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ‏(‏37‏)‏‏}‏

انتقال من الاستدلال إلى التهديد وهو معطوف على ما قبله وهذا العطف انتقال إلى الموعظة بما حل بالأمم المكذبة بعد الاستدلال على إمكان البعث بقوله‏:‏ ‏{‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 4‏]‏ وما فُرّع عليه من قوله‏:‏ ‏{‏أفَعَيِينَا بالخلق الأول‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 15‏]‏‏.‏ وفي هذا العطف الوعيد الذي أجمل في قوله‏:‏ ‏{‏كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّس إلى قوله‏:‏ ‏{‏فحقّ وعيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 12، 14‏]‏‏.‏ فالوعيد الذي حقّ عليهم هو الاستئصال في الدنيا وهو مضمون قوله‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً‏}‏‏.‏

والخبر الذي أفاده قوله‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم‏}‏ تعريض بالتهديد وتسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وضميرا ‏{‏قبلهم‏}‏ و‏{‏منهم‏}‏ عائدان إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام كما تقدم في قوله أول السورة من قوله‏:‏ ‏{‏بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ويفسره قوله بعده فقال الكافرون هذا شيء عجيب‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وجرى على ذلك السَّنَن قوله‏:‏ ‏{‏كَذَّبت قبلهم قوم نوح‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بل هم في لبس من خلق جديد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 15‏]‏، ونظائره في القرآن كثيرة‏.‏

و ‏{‏كم‏}‏ خبرية وجرّ تمييزها ب ‏{‏من‏}‏ على الأصل‏.‏

والبطش‏:‏ القوة على الغير‏.‏ والتنقيب‏:‏ مشتق من النقْب بسكون القاف بمعنى الثقب، فيكون بمعنى‏:‏ خَرَقوا، واستعير لمعنى‏:‏ ذللوا وأخضعوا، أي تصرفوا في الأرض بالحفر الغرس والبناء وتحت الجبال وإقامة السداد والحصون فيكون في معنى قوله‏:‏ ‏{‏وأثارُوا الأرض وعَمَرُوها‏}‏ في سورة الروم ‏(‏9‏)‏‏.‏

وتعريف البلاد‏}‏ للجنس، أي في الأرض كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين طغوا في البلاد‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 11‏]‏‏.‏

والفاء في ‏{‏فنقبوا‏}‏ لتفريع عن ‏{‏أشد منهم بطشاً‏}‏، أي ببطشهم وقوتهم لقبوا في البلاد‏.‏

والجملة معترضة بين جملة ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم‏}‏ إلى آخره‏.‏

وجملة ‏{‏هل من محيص‏}‏ كما اعترض بالتفريع في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏هل من محيص‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏أهلكنا‏}‏، أي إهلاكاً لا منجى منه‏.‏ ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة‏.‏ فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذلك دخلت ‏{‏من‏}‏ على الاسم الذي بعد الاستفهام كما يقال‏:‏ ما مِن محيص، وهذا قريب من قوله في سورة ص ‏(‏3‏)‏ ‏{‏كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولاتَ حين مناص‏}‏

والمحيص‏:‏ مصدر ميمي من حَاص إذا عَدَل وجاد، أي لم يجدوا محيصاً من الإهلاك وهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد‏}‏ في سورة مريم ‏(‏98‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب‏}‏ إلى آخرها يجوز أن تكون الإشارة بذلك إلى إهلاك القرون الأشدِّ بطشاً، ويجوز أن يكون إلى جميع ما تقدم من استدلال وتهديد وتحذير من يوم الجزاء‏.‏

والذكرى‏:‏ التذكرة العقلية، أي التفكر في تدبر الأحوال التي قضت عليهم بالإهلاك ليقيسوا عليها أحوالهم فيعلموا أن سَيَنَالهُمْ ما نال أولئك، وهذا قياس عقلي يدركه اللبيب من تلقاء نفسه دون احتياج إلى منبه‏.‏

والقلب‏:‏ العقل وإدراك الأشياء على ما هي عليه‏.‏ وإلقاء السمع‏:‏ مستعار لشدة الإصغاء للقرآن ومواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم كأنَّ أسماعهم طرحت في ذلك فلا يشغلها شيء آخر تسمعه‏.‏

والشهيد‏:‏ المشاهد وصيغة المبالغة فيه للدلالة على قوة المشاهدة للمذكر، أي تحديق العين إليه للحرص على فهم مراده مما يقارن كلامه من إشارة أو سَحْنة فإن النظر يعين على الفهم‏.‏ وقد جيء بهذه الجملة الحالية للإشارة إلى اقتران مضمونها بمضمون عاملها بحيث يكون صاحب الحال ملقيا سمعه مشاهِدا‏.‏ وهذه حالة المؤمن ففي الكلام تنويه بشأن المؤمنين وتعريض بالمشركين بأنهم بعداء عن الانتفاع بالذكريات والعبر‏.‏ وإلقاء السمع مع المشاهدة يوقظ العقل للذكرى والاعتبار إن كان للعقل غفلة‏.‏

وموقع ‏{‏أو‏}‏ للتقسيم لأن المتذكر إمّا أن يتذكر بما دلت عليه الدلائل العقلية من فهم أدلة القرآن ومن الاعتبار بأدلة الآثار على أصحابها كآثار الأمم مثل ديار ثمود، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 52‏]‏ فقوله‏:‏ ‏{‏ألقى السمع‏}‏ استعارة عزيزة شبه توجيه السمع لتلك الأخبار دون اشتغال بغيرها بإلقاء الشيء لمن أخذه فهو من قسم من له قلب، وإما أن يتذكر بما يبلغه من الأخبار عن الأمم كأحاديث القرون الخالية‏.‏ وقيل المراد بمن ألقى السمع وهو شهيد خصوص أهل الكتاب الذين ألقوا سمعهم لهذه الذكرى وشهدوا بصحتها لعلمهم بها من التوراة وسائر كتبهم فيكون ‏{‏شهيد‏}‏ من الشهادة لا من المشاهدة‏.‏ وقال الفخر‏:‏ تنكير ‏{‏قلب‏}‏ للتعظيم والكمال‏.‏ والمعنى‏:‏ لمن كان له قلب ذكيّ واع يستخرج بذكائه، أو لمن ألقى السمع إلى المنذر فيتذكر، وإنما قال ‏{‏أو ألقى السمع‏}‏ ولم يقل‏:‏ استمع، لأن إلقاء السمع، أي يرسل سمعه ولا يمسكه وإن لم يقصد السماع، أي تحصل الذكرى لمن له سمع‏.‏ وهو تعريض بتمثيل المشركين بمن ليس له قلب وبمن لا يلقي سمعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ‏(‏38‏)‏‏}‏

مناسبة اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 6‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏لها طلع نضيد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 10‏]‏، وكان ذلك قريباً مما وصف في التوراة من ترتيب المخلوقات إجمالاً ثم نزل قوله بعد ذلك ‏{‏أفَعَيِينَا بالخلْق الأول‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 15‏]‏ كان بعض اليهود بمكة يقولون إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، وهذا مكتوب في سفر التكوين من «التوراة»‏.‏

والاستراحة تؤذن بالنَصَب والإعياء فلما فرغت الآية من تكذيب المشركين في أقوالهم عَطفت إلى تكذيب الذين كانوا يحدثونهم بحديث الاستراحة، فهذا تأويل موقع هذه الآية في هذا المحل مع ما حكَى ابن عطية من الإجماع على أن هذه السورة كلها مكية وقد أشرنا إلى ذلك في الكلام على طليعة السورة فقول من قال نزلت في يهود المدينة تكلّف إذ لم يكن اليهود مقصورين على المدينة من بلاد العرب وكانوا يترددون إلى مكة‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏}‏ تكملة لما وَصف من خلق السماوات في قوله‏:‏ ‏{‏أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها إلى قوله‏:‏ من كل زوج بهيج‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 6، 7‏]‏ ليتوصل به إلى قوله‏:‏ ‏{‏وما مسنا من لغوب‏}‏ إبطالاً لمقالة اليهود، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها عطفَ القصة على القصة وقعت معترضة بين الكلام السابق وبين ما فرع عنه من قوله‏:‏ ‏{‏فاصبر على ما يقولون‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 130‏]‏‏.‏

والواو في ‏{‏وما مسنا من لغوب‏}‏ واو الحال لأن لمعنى الحال هنا موقعاً عظيماً من تقييد ذلك الخلق العظيم في تلك المدة القصيرة بأنه لا ينصب خالقه لأن الغرض من معظم هذه السورة بيان إمكان البعث إذ أحالهُ المشركون بما يرجع إلى ضيق القدرة الإلهية عن إيقاعه، فكانت هذه الآيات كلها مشتملة على إبراز معنى سعة القدرة الإلهية‏.‏ ومعنى ‏{‏وما مسنا من لغوب‏}‏‏:‏ ما أصابنا تعب‏.‏ وحقيقة المسِّ‏:‏ اللَّمسُ، أي وضع اليد على شيء وضعا غير شديد بخلاف الدفع واللطم‏.‏ فعبر عن نفي أقل الإصابة بنفي المسّ لنفي أضعف أحوال الإصابة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من قبل أن يتماسَّا‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 3‏]‏ فنفي قوة الإصابة وتمكنها أحرى‏.‏

واللغوب‏:‏ الإعياء من الجري والعمل الشديد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 40‏]‏

‏{‏فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ‏(‏39‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏لُّغُوبٍ * فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب‏}‏‏.‏

تفريع على ما تقدم كله من قوله‏:‏ ‏{‏بل عجبوا أن جاءهم منذر‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 2‏]‏ الآيات، ومناسبة وقعه هذا الموقع ما تضمنه قوله‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا قبلهم من قرن‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 74‏]‏ الآية من التعريض بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي فاصبر على ما يقول المشركون من التكذيب بما أخبرتهم من البعث وبالرسالة وقد جمع ذلك كله الموصول وهو ‏{‏ما يقولون‏}‏‏.‏

وضمير ‏{‏يقولون‏}‏ عائد إلى المشركين الذين هم المقصود من هذه المواعظ والنذر ابتداء من قوله‏:‏ ‏{‏بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم‏}‏‏.‏

‏{‏يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ‏}‏ ‏{‏للهالغروب * وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ وأدبار السجود‏}‏‏.‏

عطف على ‏{‏فاصبر على ما يقولون‏}‏ فهو من تمام التفريع، أي اصبر على أقوال أذَاهُمْ وسخريتهم‏.‏ ولعلّ وجه هذا العطف أن المشركين كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة مثل قصة إلقاء عقبةَ بن أبي مُعيط سلا الجزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم حين سجد في المسجد الحرام في حجر الكعبة فأقبل عقبة بن أبي مُعيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 28‏]‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى إلى قوله‏:‏ ‏{‏كلالا تطعه واسجد واقترب‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 9 19‏]‏‏.‏

فالمراد بالتسبيح‏:‏ الصلاة وهو من أسماء الصلاة‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ أجمع المتأولون على أن التسبيح هنا الصلاة‏.‏ قلت‏:‏ ولذلك صار فعل التسبيح منزلاً منزلة اللازم لأنه في معنى‏:‏ صَلّ‏.‏ والباء في ‏{‏بحمد ربك‏}‏ يرجح كون المراد بالتسبيح الصلاة لأن الصلاة تقرأ في كل ركعة منها الفاتحة وهي حمد لله تعالى، فالباء للملابسة‏.‏

واختلف المفسرون في المراد بالصلاة من قوله‏:‏ ‏{‏وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود‏}‏ ففي «صحيح مسلم» عن جرير بن عبد الله‏:‏ ‏"‏ كُنَّا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر فقال‏:‏ إنكم سَتَرَوْنَ ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تُضامُون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تُغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ‏"‏ يعني بذلك العصر والفجر‏.‏ ثم قرأ جرير ‏{‏وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏}‏ كذا‏.‏ والقراءة ‏{‏الغروب‏}‏‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ قبل الغروب‏:‏ الظهر والعصر‏.‏ وعن قتادة‏:‏ العصر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن الليل فسبحه‏}‏ الجمهورُ على أن التسبيح فيه هو الصلاة، وعن أبي الأحوص أنه قول سبحان الله، فعلى أن التسبيح الصلاة قال ابن زيد‏:‏ صلاة المغرب وصلاة العشاء‏.‏

و ‏{‏قبل الغروب‏}‏ ظرْفٌ واسع يبتدئ من زوال الشمس عن كبد السماء لأنها حين تزول عن كبد السماء قد مالت إلى الغروب وينتهي بغروبها، وشمل ذلك وقتَ صلاة الظهر والعصر، وذلك معلوم للنبيء صلى الله عليه وسلم وتسبيح الليل بصلاتي المغرب والعشاء لأن غروب الشمس مبدأ الليل، فإنهم كانوا يؤرخون بالليالي ويبتدئون الشهر بالليلة الأولى التي بعد طلوع الهلال الجديد عقب غروب الشمس‏.‏

وقيل هذه المذكورات كلها نوافل، فالذي قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر، والذي قبل الغروب ركعتان قبل غروب الشمس قاله أبو برزة وأنس بن مالك، والذي من الليل قيام الليل قاله مجاهد‏.‏ ويأتي على هذا الوجه الاختلافُ في محمل الأمر على الندب إن كانا عاماً أو على الوجوب إن كانا خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في سورة المزمل‏.‏

وقريب من هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصبر لِحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبِّحهُ ليلاً طويلاً‏}‏ في سورة الإنسان ‏(‏24 26‏)‏‏.‏

وقريب منها أيضاً قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واصبر لحكم ربك فإنك بأعييننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم‏}‏ في سورة الطور ‏(‏48، 49‏)‏‏.‏

وأما قوله‏:‏ وإدبار السجود‏}‏ فيجوز أن يكون معطوفاً على قوله‏:‏ ‏{‏قبل طلوع الشمس‏}‏، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله‏:‏ ‏{‏ومن الليل فسبحه‏}‏‏.‏

والإدبار‏:‏ بكسر الهمزة حقيقته‏:‏ الانصراف لأن المنصرف يستدبر من كان معه، واستعير هنا للانقضاء، أي انقضاء السجود، والسجود‏:‏ الصلاة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏واسجد واقترب‏}‏‏.‏ وانتصابه على النيابة عن الظرف لأن المراد‏:‏ وقْت إدبار السجود‏.‏ وقرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر وحَمزة وخلف بكسر همزة ‏{‏إدبار‏}‏‏.‏ وقرأه الباقون بفتح الهمزة على أنه جمع‏:‏ دُبر، بمعنى العقب والآخِر، وعلى كلتا القراءتين هو وقت انتهاء السجود‏.‏

ففسر السجود بالحَمل على الجنس، أي بعد الصلوات قاله ابن زيد، فهو أمر بالرواتب التي بعد الصلوات‏.‏ وهو عام خصصته السنة بأوقات النوافل، ومجمل بينت السنة مقاديره، وبينت أن الأمر فيه أمر ندب وترغيب لا أمر إيجاب‏.‏ وعن المهدوي أنه كان فرضاً فنسخ بالفرائض‏.‏ وحمل على العهد فقال جمع من الصحابة والتابعين هو صلاة المغرب، أي الركعتان بعدها‏.‏ وعن ابن عباس أنه الوتر‏.‏

والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فسبحه‏}‏ للتفريع على قوله‏:‏ ‏{‏وسبح بحمد ربك‏}‏ على أن يكون الوقت على قوله‏:‏ ‏{‏ومن الليل‏}‏ تأكيداً للأمر لإفادة الوجوب فيجعل التفريع اعتراضاً بين الظروف المتعاطفة وهو كالتفريع الذي في قوله آنفاً ‏{‏فنقَّبوا في البلاد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 36‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 14‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 43‏]‏

‏{‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏41‏)‏ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ‏(‏42‏)‏ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ‏(‏43‏)‏‏}‏

لا محالة أن جملة ‏{‏استمع‏}‏ عطف على جملة ‏{‏سَبح بحمد ربك‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 39‏]‏، فالأمر بالاستماع مفرع بالفاء التي فرع بها الأمر بالصبر على ما يقولون‏.‏ فهو لاحق بتسلية النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون المسموع إلا من نوع ما فيه عناية به وعقوبة لمكذبيه‏.‏

وابتداء الكلام ب ‏{‏استمع‏}‏ يفيد توثيقاً إلى ما يرد بعده على كل احتمال‏.‏ والأمر بالاستماع حقيقته‏:‏ الأمر بالإنصات والإصْغاء‏.‏

وللمفسرين ثلاث طرق في محمل ‏{‏استمع‏}‏، فالذي نحاه الجمهور حمل الاستماع على حقيقته وإذ كان المذكور عقب فعل السمع لا يصلح لأن يكون مسموعاً لأن اليوم ليس مما يُسمع تعين تقدير مفعول ل ‏{‏استمع‏}‏ يدل عليه الكلام الذي بعده فيقدر‏:‏ استمع نداءَ المنادي، أو استمع خبرهم، أو استمع الصيحة يوم ينادي المنادي‏.‏ ولك أن تجعل فعل ‏{‏استمع‏}‏ منزلاً منزلة اللازم، أي كُن سامِعاً ويتوجه على تفسيره هذا أن يكون معنى الأمر بالاستماع تخييلاً لصيحة ذلك اليوم في صورة الحاصل بحيث يؤمر المخاطب بالإصغاء إليها في الحال كقول مالك بن الرَّيّب‏:‏

دَعاني الهوى من أهل ودي وجيرتي *** بذي الطَّبَسَيْن فالتفَتُّ وَرائيا

ونحَا ابنُ عطية حمل ‏{‏استمع‏}‏ على المجاز، أي انتظر‏.‏ قال‏:‏ «لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء لأن كل مَن فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم تحسس هذا اليوم وارتقبه فإن فيه تبّين صحة ما قلته» اه‏.‏ ولم أر مَن سَبَقه إلى هذا المعنى ومثله في «تفسير الفخر» وفي «تفسير النسفي»‏.‏ ولعلهما اطلعا عليه لأنهما متأخران عن ابن عطية وهما وإن كانا مشرقيّين فإن الكتب تُنقل بين الأقطار‏.‏ وللزمخشري طريقة أخرى فقال «يعني‏:‏ واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة‏.‏ وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبَر به كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل ‏"‏ يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك ‏"‏ ولم أرَ من سبقه إلى هذا وهو محمل حسن دقيق‏.‏

واللائق بالجري على المحامل الثلاثة المتقدمة أن يكون ‏{‏يوم يناد المنادي‏}‏ مبتدأ وفتحته فتحة بناء لأنه اسم زمان أضيف إلى جملة فيجوز فيه الإعراب والبناءُ على الفتح، ولا يناكده أن فعل الجملة مضارع لأن التحقيق أن ذلك وارد في الكلام الفصيح وهو قول نحاة الكوفة وابننِ مالك ولا ريبة في أنه الأصوب‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال الله هذَا يوم ينفع الصادقين صدقهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 119‏]‏ في قراءة نافع بفتح ‏{‏يومَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يوم يسمعون الصيحة‏}‏ بدل مطابق من ‏{‏يوم يناد المنادي‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك يوم الخروج‏}‏ خبر المبتدأ‏.‏

ولك أن تجعل ‏{‏يوم يناد المنادي‏}‏ مفعولاً فيه ل ‏{‏استمع‏}‏ وإعراب ما بعده ظاهر‏.‏

ولك أن تجعل ‏{‏يوم يناد المنادي‏}‏ ظرفاً في موقع الخبر المقدم وتجعل المبتدأ قوله‏:‏ ‏{‏ذلك يوم الخروج‏}‏ ويكون تقدير النظم‏:‏ واستمعْ ذلكَ يومُ الخروج يوم ينادي المنادي الخ، ويكون اسمُ الإشارة لمجرد التنبيه، أو راجعاً إلى يوم ينادي المنادي، فإنه متقدم عليه في اللفظ وإن كان خبراً عنه في المعنى واسم الإشارة يكتفي بالتقدم اللفظي بل يكتفي بمجرد الخطور في الذهن‏.‏ وفي «تفسير النسَفِي» أن يعقوب أي الحضرمي أحد أصحاب القراءات العشر المتواترة وقف على قوله ‏{‏واستمع‏}‏‏.‏

وتعريف ‏{‏المنادي‏}‏ تعريف الجنس، أي يوم ينادي منادٍ، أي من الملائكة وهو الملك الذي ينفخ النفخة الثانية فتتكوَّن الأجساد وتحل فيها أرواح الناس للحشر قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم نُفِخَ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 68‏]‏‏.‏

وتنوين ‏{‏مكان قريب‏}‏ للنوعية إذ لا يتعلق الغرض بتعيينه، ووصفه ب ‏{‏قريب‏}‏ للإشارة إلى سرعة حضور المنادين، وهو الذي فسرته جملة ‏{‏يوم يسمعون الصيحة بالحق‏}‏ لأن المعروف أن النداء من مكان قريب لا يخفى على السامعين بخلاف النداء من كان بعيد‏.‏

و ‏{‏بالحق‏}‏ بمعنى‏:‏ بالصدق وهو هنا الحشر، وصف ‏{‏بالحق‏}‏ إبطالاً لزعم المشركين أنه اختلاق‏.‏

والخروج‏:‏ مغادرة الدار أو البلدِ، وأطلق الخروج على التجمع في المحشر لأن الحَيَّ إذا نَزَحُوا عن أرضهم قيل‏:‏ خرجوا، يقال‏:‏ خرجوا بقَضِّهم وقضيضهم‏.‏

واسم الإشارة جيء به لتهويل المشار إليه وهو ‏{‏يوم يسمعون الصيحة بالحق‏}‏ فأريد كمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الخبر العظيم‏.‏ ومقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ هو يوم الخروج‏.‏

و ‏{‏يوم الخروج‏}‏ علم بالغلبة على يوم البعث، أي الخروج من الأرض‏.‏

وجملة ‏{‏إنا نحن نحي ونميت وإلينا المصير‏}‏ تذييل، أي هذا الإحياء بعد أن أمَتْنَاهُم هو من شؤوننا بأنا نحييهم ونحيي غيرهم ونميتهم ونميت غيرهم‏.‏

والمقصود هو قوله‏:‏ ‏{‏ونميت‏}‏، وأما قوله‏:‏ ‏{‏نحيي‏}‏ فإنه لاستيفاء معنى تصرف الله في الخلق‏.‏

وتقديم ‏{‏إلينا‏}‏ في ‏{‏إلينا المصير‏}‏ للاهتمام‏.‏ والتعريف في ‏{‏المصير‏}‏ إما تعريف الجنس، أي كل شيء صائر إلى ما قدرناه له وأكبر ذلك هو ناموس الفناء المكتوب على جميع الأحياء وإما تعريف العهد، أي المصير المتحدث عنه، وهو الموت لأن المصير بعد الموت إلى حكم الله‏.‏

وعندي أن هذه الآيات من قوله‏:‏ ‏{‏واستمع يوم يناد المنادي‏}‏ إلى قوله ‏{‏المصير‏}‏ مكان قريب هي مع ما تفيده من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم مبشر بطريقة التوجيه البديعي إلى تهديد المشركين بعذاب يحلّ بهم في الدنيا عقب نداء يفزعهم فيلقَون إثره حتفهم، وهو عذاب يوم بدر فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بترقب يوممٍ يناديهم فيه منادٍ إلى الخروج وهو نداء الصريخ الذي صَرخ بأبي جهل ومن معه بمكة بأنّ عِير قريش وفيها أبو سفيان قد لقيها المسلمون ببدر وكان المنادي ضمضم بن عمرو الغفاري إذ جاء على بعيره فصرخ ببطن الوادي‏:‏ يا معشر قريش اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالُكم مع أبي سفيان قد عَرض لها محمد وأصحابه‏.‏

فتجهز الناس سراعاً وخرجوا إلى بدر‏.‏ فالمكان القريب هو بطن الوادي فإنه قريب من مكة‏.‏

والخروج‏:‏ خروجهم لبدر، وتعريف اليوم بالإضافة إلى الخروج لتهويل أمر ذلك الخروج الذي كان استئصالُ سادتهم عقبه‏.‏ وتكون جملة ‏{‏إنا نحن نحيي ونميت‏}‏ وعيدا بأن الله يميت سادتهم وأنه يبقي من قَدّر إسلامه فيما بعدُ فهو يحييه إلى يوم أجله‏.‏

وكتب في المصحف ‏{‏المناد‏}‏ بدون ياء‏.‏ وقرأها نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بدون ياء في الوصل وبالياء في الوقف، وذلك جارٍ على اعتبار أن العرب يعاملون المنقوص المعرّف باللام معاملة المنكّر وخاصة في الأسجاع والفواصل فاعتبروا عدم رسم الياء في آخر الكلمة مراعاة لحال الوقف كما هو غالب أحوال الرسم لأن الأسجاع مبنية على سكون الأعجاز‏.‏ وقرأها عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وخلف بحذف الياء وصلا ووقفا لأن العرب قد تعامل المنقوص المعرّف معاملة المنكر‏.‏ وقرأها ابن كثير ويعقوب بالياء وصلا ووقفا اعتباراً بأن رسم المصحف قد يخالف قياس الرسم فلا يخالَف قياسُ اللفظ لأجله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ‏(‏44‏)‏‏}‏

إنّ جريتَ على أقوال المفسرين في تفسير الآية السابقة أفادت هذه الآية بياناً لجملة ‏{‏ذلك يوم الخروج‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 42‏]‏ أو بدل اشتمال منها مع ما في المعاد منها من تأكيد لمرادفه‏.‏ وإن جَرَيْتَ على ما ارتيأتُه في محمل الآية السابقة أفادت هذه الجملة استئنافاً استدلالا على إمكان الحشر ووصف حال من أحواله وهو تشقُّق الأرض عنهم، أي عن أجساد مثيلة لأجسادهم وعن الأجساد التي لم يلحقها الفناء‏.‏

وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب ‏{‏تشقق‏}‏ بفتح التاء وتشديد الشين‏.‏ وأصله تتشقق بتاءين فأدغمت التاء الثانية في الشين بعد قلبها شيناً لتقارب مخرجيها‏.‏ وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ‏{‏تشقق‏}‏ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل لاستثقال الجمع بين تاءين‏.‏

و ‏{‏سراعاً‏}‏ حال من ضمير ‏{‏عنهم‏}‏ وهو جمع سريع، أي سراعاً في الخروج أو في المشي الذي يعقبه إلى محل الحساب‏.‏

والقول في إعراب ‏{‏تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشر‏}‏ كالقول في إعراب قوله‏:‏ ‏{‏يوم يناد المناد من مكان قريب‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 41‏]‏ إلى ‏{‏ذلك يوم الخروج‏}‏ وكذلك القول في اختلاف اسم الإشارة مثله‏.‏

وتقدم المجرور في ‏{‏علينا‏}‏ للاختصاص، أي هو يسير في جانب قدرتنا لا كما زعمه نفاة الحشر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

استئناف بياني ناشئ عن قوله ‏{‏فاصبر على ما يقولون‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 39‏]‏ فهو إيغال في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتعريض بوعيدهم، فالخبر مستعمل مجازاً في وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله سيعاقب أعداءه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما أنت عليهم بجبار‏}‏ تطمين للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه غير مسؤول عن عدم اهتدائهم لأنه إنما بُعث داعياً وهادياً، وليس مبعوثاً لإرغامهم على الإيمان، والجبّار مشتق من جبره على الأمر بمعنى أكرهه‏.‏ وفرع عليه أمره بالتذكير لأنه ناشئ عن نفي كونه جبّاراً عليهم وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فذكّر إنما أنت مذكّر لستَ عليهم بمسيطر‏}‏ ‏[‏الغاشية‏:‏ 21، 22‏]‏، ولكن خصّ التذكير هنا بالمؤمنين لأنه أراد التذكير الذي ينفع المذكَّر‏.‏ فالمعنى‏:‏ فذكر بالقرآن فيتذكّر مَن يخاف وعيد‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏إنما أنت منذر من يخشاها‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 45‏]‏‏.‏

وكتب في المصحف ‏{‏وعيد‏}‏ بدون ياء المتكلم فقرأه الجمهور بدون ياء في الوصل والوقف على أنه من حذف التخفيف‏.‏ وقرأه ورش عن نافع بإثبات الياء في الوصل‏.‏ وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف‏.‏

سورة الذاريات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ‏(‏1‏)‏ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ‏(‏2‏)‏ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ‏(‏3‏)‏ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ‏(‏4‏)‏ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ‏(‏5‏)‏ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

القَسَم المفتتح به مراد منه تحقيق المقسم عليه وتأكيد وقوعه وقد أقسم الله بعظيم من مخلوقاته وهو في المعنى قسم بقدرته وحكمته ومتضمن تشريف تلك المخلوقات بما في أحوالها من نعم ودلالةٍ على الهدى والصلاح، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله فيما أوجد فيها‏.‏

والمُقْسَم بها الصفات تقتضي موصفاتها، فآل إلى القَسَم بالموصوفات لأجل تلك الصفات العظيمة‏.‏ وفي ذلك إيجاز دقيق، على أن في طي ذكر الموصوفات توفيراً لما تؤذن به الصفات من موصوفات صالحة بها لتذهب أفهام السامعين في تقديرها كل مذهب ممكن‏.‏

وعطف تلك الصفات بالفاء يقتضي تناسبها وتجانسها، فيجوز أن تكون صفات لجنس واحد وهو الغالب في عطف الصفات بالفاء، كقول ابن زيَّابة‏:‏

يا لهف زَيابَةَ للحارث الصَابح فالغانم فالآيب *** ويجوز أن تكون مختلفة الموصوفات إلا أن موصوفاتها متقاربة متجانسة كقول امرئ القيس‏:‏

بسِقط اللِوى بين الدَّخول فَحَوْمَل فتوضح فالمقراة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** وقول لبيد‏:‏

بمشارق الجبلين أو بمُحجر فتَضَّمنتْها فَردة فرُخَامها فصَوائق إن أيمنت‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** البيت ويكثر ذلك في عطف البقاع المتجاورة، وقد تقدم ذلك في سورة الصافات‏.‏

واختلف أيمة السلف في محمل هذه الأوصاف وموصوفاتها‏.‏ وأشهر ما رُوي عنهم في ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد أن ‏{‏الذاريات‏}‏ الرياح لأنها تذرو التراب، و‏{‏الحاملات وِقْراً‏}‏‏:‏ السحاب، و‏{‏الجاريات‏}‏‏:‏ السفن، و‏{‏المُقسِّمات أمراً‏}‏ الملائكة، وهو يقتضي اختلاف الأجناس المقسم بها‏.‏

وتأويله أن كل معطوففٍ عليه يُسبب ذكر المعطوف لالتقائهما في الجامع الخيالي، فالرياح تذكِّر بالسحاب، وحمل السحاب وِقْرَ الماء يذكر بحمل السفن، والكل يذكر بالملائكة‏.‏ ومن المفسرين من جعل هذه الصفات الأربع وصفاً للرياح قاله في «الكشاف» ونقل بعضه عن الحسن واستحسنه الفخر، وهو الأنسب لعطف الصفات بالفاء‏.‏

فالأحسن أن يُحمل الذرو على نشر قطع السحاب نَشراً يشبه الذرو‏.‏ وحقيقة الذرو رَمي أشياء مجتمعة تُرمى في الهواء لتقع على الأرض مثل الحَب عند الزرع ومثل الصوف وأصله ذرو الرياح التراب فشبه به دفع الريح قطع السحاب حتى تجتمع فتصير سحاباً كاملاً فالذاريات تنشر السحاب ابتداء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 48‏]‏‏.‏ والذرو وإن كان من صفة الرياح فإنّ كون المذرو سحاباً يؤول إلى أنه من أحوال السحاب وقيل ذروها التراب وذلك قبل نَشرها السحب وهو مقدمة لنشر السحاب‏.‏

ونُصب ‏{‏ذَرْواً‏}‏ على المفعول المطلق لإرادة تفخيمه بالتنوين، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى المفعول، أي المَذْرو، ويكون نصبه على المفعول به‏.‏

و ‏{‏الحاملات وقراً‏}‏ هي الرياح حين تجمع السحاب وقد ثَقُل بالماء، شبه جمعها إياه بالحَمل لأن شأن الشيء الثقيل أن يحمله الحامل، وهذا في معنى قوله تعالى‏:‏

‏{‏ويَجْعَلُه كِسَفاً فترى الودقَ يخرج من خلاله‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 48‏]‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وينشئ السحاب الثِّقال‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 12‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ألم تر أن الله يُزْجي سحاباً ثم يُؤَلّف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 43‏]‏‏.‏

والوِقر بكسر الواو‏:‏ الشيء الثقيل‏.‏

ويجوز أن تكون الحاملات الأسحبة التي ملئت ببخار الماء الذي يصير مطراً، عطفت بالفاء على الذاريات بمعنى الرياح لأنها ناشئة عنها فكأنها هي‏.‏

و ‏{‏الجاريات يُسْراً‏}‏‏:‏ الرياح تجري بالسحاب بعد تراكمه وقد صار ثقيلاً بماء المطر، فالتقدير‏:‏ فالجاري بذلك الوقر يُسراً‏.‏

ومعنى اليسر‏:‏ اللِين والهُون، أي الجاريات جرياً ليّناً هيّناً شأن السير بالثقل، كما قال الأعشى‏:‏

كأنّ مِشيتها من بيت جارتها مَشيُ السحابة لا رَيثٌ ولا عَجَل *** ف ‏{‏يُسراً‏}‏ وصف لمصدر محذوف نصب على النيابة عن المفعول المطلق‏.‏

و ‏{‏المقسمات أمراً‏}‏ الرياح التي تنتهي بالسحاب إلى الموضع الذي يبلغ عنده نزول ما في السحاب من الماء أو هي السحب التي تُنزل ما فيها من المطر على مواضع مختلفة‏.‏

وإسناد التقسيم إليها على المعنيين مجاز بالمشابهة‏.‏ وروي عن الحسن ‏{‏المقسمات‏}‏ السحب بقَسم الله بها أرزاق العباد» اه‏.‏ يريد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزلنا من السماء ماء مباركاً‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏رِزقاً للعباد‏}‏ في سورة ق ‏(‏9 11‏)‏‏.‏

ومن رشاقة هذا التفسير أن فيه مناسبة بين المُقْسَم به والمقسم عليه وهو قوله‏:‏ إنما توعدون لصادِق وإن الدين لواقع‏}‏ فإن أحوال الرياح المذكورة هنا مبدؤها‏:‏ نفخ، فتكوين، فإحياء، وكذلك البعث مبدؤه‏:‏ نفخ في الصور، فالتئام أجساد الناس التي كانت معدومة أو متفرقة، فبثُّ الأرواح فيها فإذا هم قيام ينظرون‏.‏ وقد يكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أمراً‏}‏ إشارة إلى ما يقابله في المثال من أسباب الحياة وهو الروح لقوله‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏‏.‏

و ‏(‏مَا‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏إنما توعدون‏}‏ موصولة، أي إن الذي توعدونه لصادق‏.‏ والخطاب في ‏{‏تُوعدون‏}‏ للمشركين كما هو مقتضى التأكيد بالقسم وكما يقتضيه تعقيبه بقوله‏:‏ ‏{‏إنكم لفي قول مختلف‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 8‏]‏‏.‏

فيتعين أن يكون ‏{‏توعدون‏}‏ مشتقاً من الوعيد الذي ماضيه ‏(‏أوعد‏)‏، وهو يبنى للمجهول فأصل ‏{‏توعدون‏}‏ تُؤَوْعَدون بهمزة مفتوحة بعد تاء المضارعة وواوٍ بعد الهمزة هي عين فعل ‏(‏أوعد‏)‏ وبفتح العين لأجل البناء المجهول فحذفت الهمزة على ما هو المطّرد من حذف همزة أفْعَل في المضارع مثل تُكرمون، وسكنت الواو سكوناً مَيتاً لأجل وقوع الضمة قبلها بعد أن كان سكونها حَيّاً فصار ‏{‏تُوعَدون‏}‏ ووزنه تافعلون‏.‏

والذي أوُعِدوه عذاب الآخرة وعذاب الدنيا مثل الجوع في سني القحط السبع الذي هو دَعوة النبيء صلى الله عليه وسلم عليهم بقوله‏:‏ ‏"‏ اللهمّ اجعلها عليهم سنيناً كسنيننِ يوسف ‏"‏ وهو الذي أشار إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم‏}‏ الآية في سورة الدخان ‏(‏10، 11‏)‏‏.‏ ومثل عذاب السيف والأسر يوم بدر الذي توعدهم الله به في قوله‏:‏ ‏{‏يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون‏}‏

‏[‏الدخان‏:‏ 16‏]‏‏.‏ ويجوز أن يكون توعدون من الوعد، أي الإخبار بشيء يقع في المستقبل مثل قوله‏:‏ ‏{‏إن وعد الله حق‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 33‏]‏ فوزنه تُفْعَلُون‏.‏ والمراد بالوعد الوعد بالبعث‏.‏

ووصف ‏{‏لصادق‏}‏ مجاز عقلي إذ الصادق هو المُوعد به على نحو ‏{‏فهو في عيشة راضية‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏‏.‏

والدين‏:‏ الجزاء‏.‏ والمراد إثبات البعث الذي أنكروه‏.‏

ومعنى ‏{‏لواقع‏}‏ واقع في المستقبل بقرينة جعله مرتباً في الذكر على ما يوعدون وإنما يكون حصول الموعود به في الزمن المستقبل وفي ذكر الجزاء زيادة على الكناية به عن إثبات البعث تعريض بالوعيد على إنكار البعث‏.‏

وكتب في المصاحف ‏{‏إنما‏}‏ متصلةً وهو على غير قياس الرسم المصطلح عليه من بعد لأنهما كلمتان لم تَصيرا كلمة واحدة، بخلاف ‏{‏إنما‏}‏ التي هي للقصر‏.‏ ولم يكن الرسم في زمن كتابة المصاحف في أيام الخليفة عثمان قد بلغ تمام ضبطه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 9‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ‏(‏8‏)‏ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

هذا قَسَم أيضاً لتحقيق اضطراب أقوالهم في الطعن في الدين وهو كالتذييل للذي قبله، لأن ما قبله خاص بإثبات الجزاء‏.‏ وهذا يعم إبطال أقوالهم الضالّة فالقسم لتأكيد المقسم عليه لأنهم غير شاعرين بحالهم المقسممِ على وقوعه، ومُتَهالكون على الاستزادة منه، فهم منكرون لما في أقوالهم من اختلاف واضطراب جاهلون به جهلاً مركَّبا والجهل المركب إنكار للعلم الصحيح‏.‏ والقول في القسم ب ‏{‏السماء‏}‏ كالقول في القسم ب ‏{‏الذاريات‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 1‏]‏‏.‏

ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حُبُك، أي طرائق لأن المقسم عليه‏:‏ إن قولهم مختلف طرائق قِدداً ولذلك وصف المقسم به ليكون إيماء إلى نوع جواب القسم‏.‏

والحُبك‏:‏ بضمتين جمع حِباك ككِتاب وكُتب ومِثال ومُثُل، أو جمع حبيكة مثل طَريقة وطُرق، وهي مشتقة من الحَبْك بفتح فسكون وهو إجادة النسج وإتقانُ الصنع‏.‏ فيجوز أن يكون المراد بحُبك السماء نُجوْمُها لأنها تشبه الطرائق الموشاة في الثوب المحبوك المتقن‏.‏ وروي عن الحسن وسعيد بن جبير وقيل الحبك‏:‏ طرائق المجرّة التي تبدو ليلاً في قبة الجو‏.‏

وقيل‏:‏ طرائق السحاب‏.‏ وفسر الحبك بإتقان الخلق‏.‏ روي عن ابن عباس وعكرمة وقتادة‏.‏ وهذا يقتضي أنهم جعلوا الحبك مصدراً أو اسم مصدر، ولعله من النادر‏.‏ وإجراء هذا الوصف على السماء إدماج أدمج به الاستدلال على قدرة الله تعالى مع الامتنان بحسن المرأى‏.‏

واعلم أن رواية رويت عن الحسن البصري أنه قرأ ‏{‏الحِبُك‏}‏ بكسر الحاء وضم الباء وهي غير جارية على لغة من لغات العرب‏.‏ وجعل بعض أيمة اللغة الحِبُك شاذاً فالظن أن راويها أخطأ لأن وزن فِعُل بكسر الفاء وضم العين وزن مهمل في لغة العرب كلّهم لشدة ثقل الانتقال من الكسر إلى الضم مما سلمت منه اللغة العربية‏.‏ ووجهت هذه القراءة بأنها من تداخل اللغات وهو توجيه ضعيف لأن إعمال تداخل اللغتين إنما يقبل إذا لم يفض إلى زنة مهجورة لأنها إذا هجرت بالأصالة فهجرها في التداخل أجدر ووجهها أبو حيان باتباع حركة الحاء لحركة تاء ‏{‏ذاتِ‏}‏ وهو أضعف من توجيه تداخل اللغتين فلا جدوى في التكلف‏.‏

والقول المختلف‏:‏ المتناقض الذي يخالف بعضه بعضاً فيقتضي بعضه إبطال بعض الذي هم فيه هو جميع أقوالهم والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أقوالهم في دين الإشراك فإنها مختلفة مضطربة متناقضة فقالوا القرآنُ‏:‏ سِحْرٌ وشعر، وقالوا ‏{‏أساطير الأولين اكتتبها‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 5‏]‏، وقالوا ‏{‏إنْ هذا إلا اختلاق‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 7‏]‏، وقالوا ‏{‏لو نشاء لقلنا مثل هذا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 31‏]‏ وقالوا‏:‏ مرة ‏{‏في آذاننا وَقْر ومن بيننا وبينك حجاب‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏ وغير ذلك، وقالوا‏:‏ وحي الشياطين‏.‏

وقالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم أقوالاً‏:‏ شاعر، ساحر، مجنون، كاهن، يعلمه بشر، بعد أن كانوا يلقبونه الأمين‏.‏

وقالوا في أصول شركهم بتعدد الآلهة مع اعترافهم بأن الله خالق كل شيء وقالوا‏:‏ ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، ‏{‏وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 28‏]‏‏.‏

و ‏(‏في‏)‏ للظرفية المجازية وهي شدة الملابسة الشبيهة بملابسة الظرف للمظروف مثل ‏{‏ويُمدهم في طغيانهم يعمهون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏‏.‏

والمقصود بقوله‏:‏ ‏{‏إنكم لفي قول مختلف‏}‏ الكناية عن لازم الاختلاف وهو التردد في الاعتقاد، ويلزمُه بطلان قولهم وذلك مصبّ التأكيد بالقسم وحرف ‏(‏إن‏)‏ واللام‏.‏

و ‏{‏يؤفك‏}‏‏:‏ يصرف‏.‏ والأفك بفتح الهمزة وسكون الفاء‏:‏ الصرف‏.‏ وأكثر ما يستعمل في الصرف عن أمر حسن، قاله مجاهد كما في «اللسان»، وهو ظاهر كلام أيمة اللغة والفراء وشمّر وذلك مدلوله في مواقعه من القرآن‏.‏

وجملة ‏{‏يؤفك عنه من أفك‏}‏ يجوز أن تكون في محل صفة ثانية ل ‏{‏قوللٍ مختلف‏}‏، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله‏:‏ ‏{‏وإن الدين لواقع‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 6‏]‏، فتكون جملة ‏{‏والسماء ذاتتِ الحبك إنكم لفي قول مختلف‏}‏ معترضة بين الجملة البيانية والجملة المبيَّن عنها‏.‏ ثم إن لفظ ‏{‏قول‏}‏ يقتضي شيئاً مقولاً في شأنه فإذ لم يذكر بعد ‏{‏قول‏}‏ ما يدل على مقول صلَح لجميع أقوالهم التي اختلقوها في شأنه للقرآن ودعوة الإسلام كما تقدم‏.‏

فلما جاء ضميرُ غيبة بعد لفظ ‏{‏قول‏}‏ احتمل أن يعود الضمير إلى ‏{‏قولٍ‏}‏ لأنه مذكور، وأن يعود إلى أحوال المقول في شأنه فقيل ضمير ‏{‏عنه‏}‏ عائد إلى ‏{‏قول مختلف‏}‏ وأن معنى ‏{‏يؤفك عنه‏}‏ يصرف بسببه، أي يصرف المصروفون عن الإيمان فتكون ‏(‏عن‏)‏ للتعليل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 53‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إياه‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 114‏]‏، وقيل ضمير ‏{‏عنه‏}‏ عائد إلى ‏{‏ما توعدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏ أو عائد إلى ‏{‏الدين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 6‏]‏، أي الجزاء أن يؤفك عن الإيمان بالبعث والجزاء من أفك‏.‏ وعن الحسن وقتادة‏:‏ أنه عائد إلى القرآن أو إلى الدين، أي لأنهما مما جرى القول في شأنهما، وحرف ‏(‏عن‏)‏ للمجاوزة‏.‏

وعلى كل فالمراد بقوله ‏{‏من أفك‏}‏ المشركون المصروفون عن التصديق‏.‏ والمراد بالذي فعل الأفك المجهول المشركون الصارفون لقومهم عن الإيمان، وهما الفريقان اللذان تضمنهما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والْغَوْا فيه لعلكم تغلِبُون‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 26‏]‏‏.‏

وإنما حذف فاعل ‏{‏يؤفك‏}‏ وأبهم مفعوله بالموصولية للاستيعاب مع الإيجاز‏.‏

وقد حمَّلهم الله بهاتين الجملتين تبعةَ أنفسهم وتبعة المغرورين بأقوالهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 13‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 11‏]‏

‏{‏قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

دعاء بالهلاك على أصحاب ذلك القول المختلف لأن المقصود بقتلهم أن الله يهلكهم، ولذلك يكثر أن يقال‏:‏ قاتله الله، ثم أجري مجرى اللعن والتحقير والتعجيب من سوء أحوال المدعو عليه بمثل هذا‏.‏

وجملة الدعاء لا تعطف لأنها شديدة الاتصال بما قبلها مما أوجب ذلك الوصف لدخولهم في هذا الدعاء، كما كان تعقيب الجمل التي قبلها بها إيماء إلى أن ما قبلها سبب للدعاء عليهم، وهذا من بديع الإيجاز‏.‏

والخرص‏:‏ الظن الذي لا حجة لصاحبه على ظنه، فهو معرَّض للخطأ في ظنه، وذلك كناية عن الضلال عمداً أو تساهلاً، فالخرّاصون هم أصحاب القول المختلف، فأفاد أن قولهم المختلف ناشئ عن خواطر لا دليل عليها‏.‏ وقد تقدم في الأنعام ‏(‏116‏)‏ ‏{‏إن يتّبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون‏}‏ فالمراد هنا الخرص بالقول في ذات الله وصفاته‏.‏

واعلم أن الخرص في أصول الاعتقاد مذموم لأنها لا تبنى إلا على اليقين لخطر أمرها وهو أصل محل الذم في هذه الآية‏.‏ وأما الخرص في المعاملات بين الناس فلا يذم هذا الذّمَّ وبعضه مذموم إذا أدى إلى المخاطرة والمقامرة‏.‏ وقد أذن في بعض الخرص للحاجة‏.‏ ففي الموطأ‏}‏ عن زيد بن ثابت وأبي هريرة «أن النبيء صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا بخرصها» يعني في بيع ثمرة النخلات المعطاة على وجهة العَريَّة وهي هبة مالك النخل ثمر بعض نخله لشخص لسنة معينة فإن الأصل أن يقبِض ثمرتها عند جذاذ النخل فإذا بَدَا لصاحب الحائط شراءُ تلك الثمرة قبل طيبها رخص أن يبيعها المُعْرَى ‏(‏بالفتح‏)‏ للمُعْرِي بالكسر إذا أراد المعري ذلك فيخرص ما تحمِله النخلات من الثمر على أن يعطيه عند الجذاذِ ما يساوي ذلك المخروص إذا لم يكن كثيراً وحُدد بخمسة أوسق فأقل ليدفع صاحب النخل عن نفسه تطرق غيره لحائطه، وذلك لأن أصلها عطية فلم يدخل إضرار على المُعرِي من ذلك‏.‏

والغمرة‏:‏ المرة من الغمر، وهو الإحاة ويفسرها ما تضاف إليه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 93‏]‏ فإذا لم تقيد بإضافة فإن تعيينها بحسب المقام كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فذرهم في غمرتهم حتى حين‏}‏ في سورة المؤمنين ‏(‏54‏)‏‏.‏ والمراد‏:‏ في شغل، أي مَا يشغلهم من معاداة الإسلام شغلاً لا يستطيعون معه أن يتدبروا في دعوة النبيء‏.‏

والسهو‏:‏ الغفلة‏.‏ والمراد أنهم معرِضون إعراضاً كإعراض الغافل وما هم بغافلين فإن دعوة القرآن تقرع أسماعهم كل حين واستعمال مادة السهو في هذا المعنى نظير استعمالها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 5‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏12‏)‏ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ‏(‏13‏)‏ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من ضمير ‏{‏الخراصون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 10‏]‏ وأن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة ‏{‏قتل الخراصون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 10‏]‏ لأن جملة ‏{‏قتل الخراصون‏}‏ أفادت تعجيباً من سوء عقولهم وأحْوالهم فهو مثار سؤال في نفس السامع يتطلب البيان، فأجيب بأنهم يسألون عن يوم الدين سؤال متهكمين، يعنون أنه لا وقوع ليوم الدين كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عمّ يتساءلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 1 3‏]‏‏.‏

و ‏{‏أيّان يوم الدين‏}‏ مقول قول محذوف دلّ عليه ‏{‏يسألون‏}‏ لأن في فعل السؤال معنى القول‏.‏ فتقدير الكلام‏:‏ يقولون‏:‏ أيان يوم الدين‏.‏ ولك أن تجعل جملة ‏{‏أيان يوم الدين‏}‏ بدلاً من جملة ‏{‏يسألون‏}‏ لتفصيل إجماله وهو من نوع البدل المطابق‏.‏ و‏{‏أيّان‏}‏ اسم استفهام عن زمان فعل وهو في محل نصب مبنيّ على الفتح، أي متى يوم الدين، ويوم الدين زمان فالسؤال عن زمانه آيل إلى السؤال باعتبار وقوعه، فالتقدير‏:‏ أيان وقوع يوم الدين، أو حلوله، كما تقول‏:‏ متى يوم رمَضان أي متى ثبوته لأن أسماء الزمان حقها أن تقع ظروفاً للأحداث لا للأزمنة‏.‏

وجملة ‏{‏يوم هم على النار يفتنون‏}‏ جواب لسؤالهم جرى على الأسلوب الحكيم من تلقي السائل بغير ما يتطلب إذ هم حين قالوا‏:‏ أيّان يوم الدين، أرادوا التهكم والإحالة فتُلقِّي كلامُهم بغير مرادهم لأن في الجواب ما يشفي وقع تهكمهم على طريقة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيتُ للناس والحج‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ يوم الدين يقع يوم تُصْلَوْن النار ويقال لكم‏:‏ ذوقوا فتنتكم‏.‏

وانتصب ‏{‏يوم هم على النار يفتنون‏}‏ على الظرفية وهو خبر عن مبتدأ محذوف دل عليه السؤال عنه بقولهم‏:‏ أيام يوم الدين‏.‏ والتقدير‏:‏ يومُ الدين يومَ هم على النار يفتنون‏.‏

والفَتْن‏:‏ التعذيب والتحريق، أي يوم هم يعذبون على نار جهنم وأصل الفَتْن الاختيار‏.‏ وشاع إطلاقه على معان منها إذابة الذهب على النار في البُوتَقة لاختيار ما فيه من معدن غيرِ ذهب، ولا يذاب إلا بحرارة نار شديدة فهو هنا كناية عن الإحراق الشديد‏.‏

وجملة ‏{‏ذوقوا فتنتكم‏}‏ مقول قول محذوف دل عليه الخطاب، أي يقال لهم حينئذٍ، أو مقولاً لهم ذوقوا فتنتكم، أي عذابكم‏.‏ والأمر في قوله‏:‏ ‏{‏ذوقوا‏}‏ مستعمل في التنكيل‏.‏

والذوق‏:‏ مستعار للإحساس القوي لأن اللسان أشد الأعضاء إحساساً‏.‏

وإضافة فتنة إلى ضمير المخاطبين يومئذ من إضافة المصدر إلى مفعوله‏.‏ وفي الإضافة دلالة على اختصاصها لهم لأنهم استحقوها بكفرهم، ويجوز أن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله‏.‏ والمعنى‏:‏ ذوقوا جزاء فتنتكم‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أي تكذيبكم‏.‏ ويقوم من هذا الوجه أن يجعل الكلام موجَّهاً بتذكير المخاطبين في ذلك اليوم ما كانوا يفتنون به المؤمنين من التعذيب مثل ما فتنوا بلالاً وخَبَّاباً وعَماراً وشميسة وغيرهم، أي هذا جزاء فتنتكم‏.‏

وجعل المذوق فتنتهم إظهاراً لكونه جزاء عن فتنتهم المؤمنين ليزدادوا ندامة قال تعالى موعداً إياهم ‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 10‏]‏‏.‏

وإطلاق اسم العمل على جزائه وارد في القرآن كثيراً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتجعلون رزقكم أنكم تُكذّبون‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 82‏]‏ أي تجعلون جزاء رزق الله إياكم أنكم تُكذّبون وحدانيته‏.‏

والإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏هذا الذي كنتم به تستعجلون‏}‏ إلى الشيء الحاضر نصب أعينهم، وهكذا الشأن في مثله تذكير اسم الإشارة كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنها بقرة لا فارض ولا بِكْر عَوَانٌ بين ذلك‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏68‏)‏‏.‏

ومعنى ‏{‏كنتم به تستعجلون‏}‏ كنتم تطلبون تعجيله فالسين والتاء للطلب، أي كنتم في الدنيا تسألون تعجيله وهو طلب يريدون به أن ذلك محال غير واقع‏.‏ وأقوالهم في هذا كثيرة حكاها القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هذ الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 25‏]‏‏.‏

والجملة استئناف في مقام التوبيخ وتعديد المجارم، كما يقال للمجرم‏:‏ فعلت كذا، وهي من مقول القول‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏15‏)‏ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ‏(‏16‏)‏ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ‏(‏17‏)‏ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ‏(‏18‏)‏ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

اعتراض قَابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع النِّذارة بالبشارة، والترهيب بالترغيب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن المتقين في جنات وعيون‏}‏ نظير قوله في سورة الدخان ‏(‏51، 52‏)‏ ‏{‏إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون‏}‏ وجمع ‏{‏جنات‏}‏ باعتبار جمع المتقين وهي جنات كثيرة مختلفة وفي الحديث‏:‏ «إنها لِجِنان كثيرة، وإنه لفي الفردوس» وتنكير ‏{‏جنات‏}‏ للتعظيم‏.‏

ومعنى ‏{‏آخذين ما آتاهم ربهم‏}‏‏:‏ أنهم قابلون ما أعطاهم، أي راضون به فالأخذ مستعمل في صريحه وكنايته كناية رمزية عن كون ما يؤتَوْنه أكمل في جنسه لأن مدارك الجماعات تختلف في الاستجادة حتى تبلغ نهاية الجودة فيستوي الناس في استجادته، وهي كناية تلويحية‏.‏ وأيضاً فالأخذ مستعمل في حقيقته ومجازه لأن ما يؤتيهم الله بعضهم مما يُتناول باليد كالفواكه والشراب والرياحين، وبعضه لا يتناول باليد كالمناظِر الجميلة والأصوات الرقيقة والكرامة والرضوان وذلك أكثر من الأول‏.‏

فإطلاق الأخذ على ذلك استعارة بتشبيه المعقول بالمحسوس كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذوا ما آتيناكم بقوة‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏63‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وأمرْ قَومَك يأخذوا بأحسنها‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏145‏)‏‏.‏

فاجتمع في لفظ ‏{‏آخذين‏}‏ كنايتان ومجاز‏.‏ روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله تعالى يقول‏:‏ يا أهل الجنة‏.‏ فيقولون‏:‏ لبيك ربنا وسعديك والخيرُ في يديك‏.‏ فيقول‏:‏ هل رضيتم‏؟‏ فيقولون‏:‏ وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول‏:‏ ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك فيقولون‏:‏ وأي شيء أفضل من ذلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أحُلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً»‏.‏ وفي إيثار التعبير عن الجلالة بوصف ‏(‏ربّ‏)‏ مضاففٍ إلى ضمير المتقين معنى من اختصاصهم بالكرامة والإيماء إلى أن سبب ما آتاهم هو إيمانهم بربوبيته المختصة بهم وهي المطابقة لصفات الله تعالى في نفس الأمر‏.‏

وجملة ‏{‏إنهم كانوا قبل ذلك محسنين‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏إن المتقين في جنات وعيون‏}‏، أي كان ذلك جزاء لهم عن إحسانهم كما قيل للمشركين ‏{‏ذوقوا فتنتكم‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 14‏]‏‏.‏ والمحسنون‏:‏ فاعلو الحسنات وهي الطاعات‏.‏

وفائدة الظرف في قوله‏:‏ ‏{‏قبلَ ذلك‏}‏ أن يؤتى بالإشارة إلى ما ذكر من الجنات والعيون وما آتاهم ربهم مما لا عين رأتْ ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيحصل بسبب تلك الإشارة تعظيم شأن المشار إليه، ثم يفاد بقوله ‏{‏قبل ذلك‏}‏، أي قبل التنعم به أنهم كانوا محسنين، أي عاملين الحسنات كما فسره قوله‏:‏ ‏{‏كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ الآية‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنهم كانوا في الدنيا مطيعين لله تعالى واثقين بوعده ولم يروه‏.‏

وجملة ‏{‏كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ بدل من جملة ‏{‏كانوا قبل ذلك محسنين‏}‏ بدل بعض من كل لأن هذه الخصال الثلاث هي بعض من الإحسان في العمل‏.‏

وهذا كالمثال لأعظم إحسانهم فإن ما ذكر من أعمالهم دال على شدة طاعتهم لله ابتغاء مرضاته ببذل أشد ما يبذل على النفس وهو شيئان

أولهما‏:‏ راحة النفس في وقت اشتداد حاجتها إلى الراحة وهو الليل كله وخاصة آخره، إذ يكون فيه قائم الليل قد تعب واشتد طلبه للراحة‏.‏

وثانيهما‏:‏ المال الذي تشحّ به النفوس غالباً، وقد تضمنت هذه الأعمال الأربعة أصلَي إصلاح النفس وإصلاح الناس‏.‏ وذلك جماع ما يرمي إليه التكليف من الأعمال فإن صلاح النفس تزكية الباطن والظاهر ففي قيام الليل إشارة إلى تزكية النفس باستجلاب رضى الله تعالى‏.‏ وفي الاستغفار تزكية الظاهر بالأقوال الطيبة الجالبة لمرضاة الله عز وجل‏.‏

وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته‏.‏ وفي جعلهم الحق للمَحروم نفع المحتاج المتعفّف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج‏.‏

وحرف ‏{‏ما‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ مزيد للتأكيد‏.‏ وشاعت زيادة ‏{‏ما‏}‏ بعد اسم ‏(‏قليل‏)‏ و‏(‏كثير‏)‏ وبعد فعل ‏(‏قل‏)‏ و‏(‏كثر‏)‏ و‏(‏طال‏)‏‏.‏

والمعنى‏:‏ كانوا يهجعون قليلاً من الليل‏.‏ وليست ‏{‏ما‏}‏ نافية‏.‏

والهجوع‏:‏ النوم الخفيف وهو الغِرار‏.‏

ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلاً من الليل وذلك اقتداء بأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 2 4‏]‏ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص «أن رسول الله قال له‏:‏ لم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفِهت النفس وهَجمت العين‏.‏ وقال له‏:‏ قم ونَم، فإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً»‏.‏ وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة‏:‏

أولاها‏:‏ فعل الكون في قوله‏:‏ ‏{‏كانوا‏}‏ الدال على أن خبرها سُنَّة متقررة‏.‏

الثاني‏:‏ العدول عن أن يقال‏:‏ كانوا يقيمون الليل، أو كانوا يُصَلُّون في جوف الليل، إلى قوله‏:‏ ‏{‏قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ لأن في ذكر الهجوع تذكيراً بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تتجافى جنوبهم عن المضاجع‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 16‏]‏، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة‏.‏

الثالث‏:‏ التصريح بقوله‏:‏ ‏{‏من الليل‏}‏ للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادةً في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله‏:‏ ‏{‏كانوا قليلاً ما يهجعون‏}‏ يفيد أنه من الليل‏.‏

الرابع‏:‏ تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة الهجوع بل يأخذون منه قليلاً‏.‏

وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في قوله‏:‏

قد حَصت البيضة راسِي فمَا *** أطعَم نوماً غير تَهْجاع

الخامس‏:‏ المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يُهجَهُه الهاجع‏.‏

وانتصب ‏{‏قليلاً‏}‏ على الظرف لأنه وُصف بالزمان بقوله‏:‏ ‏{‏من الليل‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ زمناً قليلاً من الليل، والعامل في الظرف ‏{‏يَهجعون‏}‏‏.‏ و‏{‏من الليل‏}‏ تبعيض‏.‏

ثم أتبع ذلك بأنهم يستغفرون في السحر، أي فإذا آذن الليل بالانصرام سألوا الله أن يغفر لهم بعد أن قدّموا من التهجد ما يرجون أن يزلفهم إلى رضى الله تعالى‏.‏ وهذا دل على أن هجوعهم الذي يكون في خلال الليل قبل السحر‏.‏ فأما في السحر فهم يتهجدون، ولذلك فسر ابن عمر ومجاهد الاستغفار بالصلاة في السحر‏.‏ وهذا نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمستغفرين بالأسحار‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 17‏]‏، وليس المقصود طلب الغفران بمجرد اللسان ولو كان المستغفر في مضجعه إذ لا تظهر حينئذٍ مزية لتقييد الاستغفار بالكون في الأسحار‏.‏

والأسحار‏:‏ جمع سحر وهو آخر الليل‏.‏ وخص هذا الوقت لكونه يكثر فيه أن يغلب النوم على الإنسان فيه فصلاتهم واستغفارهم فيه أعجب من صلاتهم في أجزاء الليل الأخرى‏.‏ وجَمْع الأسحار باعتبار تكرر قيامهم في كل سحر‏.‏

وتقديم ‏{‏بالأسحار‏}‏ على ‏{‏يستغفرون‏}‏ للاهتمام به كما علمت‏.‏

وصيغ استغفارهم بأسلوب إظهار اسم المسند إليه دُون ضميره لقصد إظهار الاعتناء بهم وليقع الإخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي فيفيد تقوّي الخبر لأنه من الندّرة بحيث يقتضي التقوية لأن الاستغفار في السحر يشقّ على من يقوم الليل لأن ذلك وقت إعيائه‏.‏ فهذا الإسناد على طريقة قولهم‏:‏ هو يعطي الجزيل‏.‏

وحق السائل والمحروم‏:‏ هو النصيب الذي يعطُونه إياهما، أطلق عليه لفظ الحق، إمّا لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيسَّر قبل أن يفرض عليهم الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقا للسائل والمحروم، أو لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم‏.‏ وبذلك يتأوَّل قول من قال‏:‏ إن هذا الحق هو الزكاة‏.‏

والسائل‏:‏ الفقير المظهر فقره فهو يسأل الناس، والمحروم‏:‏ الفقير الذي لا يُعطَى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار الفقر، وهو الصنف الذي قال الله تعالى في شأنهم ‏{‏يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفّف‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 273‏]‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي ولا يسأل الناس إلحافاً»‏.‏ وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يَسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان مآل أمره إلى ما يؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيهاً به في أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان‏.‏

والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس عليه وحثّ الناس على البحث عنه ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ واختلف الناس في ‏{‏المحروم‏}‏ اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالاً‏.‏ قلت ذكر القرطبي أحد عشر قولاً كلها أمثلة لمعنى الحرمان، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية فما صلح منها لأن يكون مثالاً للغرض قُبل وما لم يصلح فهو مردود، مثل تفسير من فسر المحروم بالكلب‏.‏ وفي «تفسير ابن عطية» عن الشعبي‏:‏ أعياني أن أعلم ما المحروم‏.‏ وزاد القرطبي في رواية عن الشعبي قال‏:‏ لي اليوم سبعون سنة منذ احتملت أسأل عن المحروم فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذٍ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

هذا متصل بالقَسَم وجوابه من قوله‏:‏ ‏{‏والذاريات‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 1‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإن الدين لواقع‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏والسماء ذات الحبك‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 6، 7‏]‏ فبعد أن حقق وقوع البعث بتأكيده بالقسم انتقل إلى تقريبه بالدليل لإبطال إحالتهم إياه، فيكون هذا الاستدلال كقوله‏:‏ ‏{‏ومن آياته أنك تَرى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربَتْ إن الذي أحياها لمُحيي الموتى‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 39‏]‏‏.‏ وما بين هاتين الجملتين اعتراض، فجملة ‏{‏وفي الأرض آيات للموقنين‏}‏ يجوز أن تكون معطوفة على جملة جواب القسم وهي ‏{‏إن ما تُوعدون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ وفي ما يشاهد من أحوال الأرض آيات للموقنين وهي الأحوال الدالة على إيجاد موجودات بعد إعدام أمثالها وأصولها مثل إنبات الزرع الجديد بعد أن بَاد الذي قبله وصار هشيماً‏.‏ وهذه دلائل واضحة متكررة لا تحتاج إلى غوص الفكر فلذلك لم تقرن هذه الآيات بما يدعو إلى التفكر كما قرن قوله‏:‏ ‏{‏وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 21‏]‏‏.‏

واعلم أن الآيات المرموقة من أحوال الأرض صالحة للدلالة أيضاً على تفرده تعالى بالإلهية في كيفية خلقها ودحْوها للحيوان والإنسان، وكيف قسمت إلى سهل وجبال وبحر، ونظام إنباتها الزرع والشجر، وما يخرج من ذلك من منافع للناس، ولهذا حذف تقييد آيات بمتعلِّق ليعمّ كل ما تصلح الآيات التي في الأرض أن تدل عليه‏.‏ وتقديم الخبر في قوله‏:‏ ‏{‏وفي الأرض‏}‏ للاهتمام والتشويق إلى ذكر المبتدأ‏.‏

واللام في ‏{‏للموقنين‏}‏ معلق ب ‏{‏آيات‏}‏‏.‏ وخصت الآيات ب ‏{‏الموقنين‏}‏ لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها فأكسبتهم الإيقان بوقوع البعث‏.‏ وأوثر وصف الموقنين هنا دون الذين أيقنوا لإفادة أنهم عرفوا بالإيقان‏.‏ وهذا الوصف يقتضي مدحهم بثقوب الفهم لأن الإيقان لا يكون إلا عن دليل ودلائل هذا الأمر نظرية‏.‏ ومَدْحَهم أيضاً بالإنصاف وترك المكابرة لأن أكثر المنكرين للحق تحملهم المكابرة أو الحسد على إنكار حق من يتوجّسون منه أن يقضي على منافعهم‏.‏ وتقديم ‏{‏في الأرض‏}‏ على المبتدأ للاهتمام بالأرض باعتبارها آيات كثيرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏في الأرض‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 20‏]‏‏.‏ فالتقدير‏:‏ وفي أنفسكم آيات أفلا تبصرون‏.‏ تفريعاً على هذه الجملة المعطوفة فيقدر الوقف على ‏{‏أنفسكم‏}‏‏.‏ وليس المجرور متعلقاً ب ‏{‏تبصرون‏}‏ متقدماً عليه لأن وجود الفاء مانع من ذلك إذ يصير الكلام معطوفاً بحرفين‏.‏ والخطاب موجه إلى المشركين‏.‏ والاستفهام إنكاري، أنكر عليهم عدم الإبصار للآيات‏.‏ والإبصار مستِعار للتدبر والتفكر، أي كيف تتركون النظر في آيات كائنة في أنفسكم‏.‏

وتقديم ‏{‏في أنفسكم‏}‏ على متعلقه للاهتمام بالنظر في خلق أنفسهم وللرعاية على الفاصلة‏.‏

والمعنى‏:‏ ألا تتفكرون في خلق أنفسكم‏:‏ كيف أنشأكم الله من ماء وكيف خلقكم أطواراً، أليس كل طور هو إيجادَ خلق لم يكن موجوداً قبل‏.‏ فالموجود في الصبي لم يكن موجوداً فيه حين كان جنيناً‏.‏ والموجود في الكهل لم يكن فيه حين كان غلاماً وما هي عند التأمل إلا مخلوقات مستجدة كانت معدومة فكذلك إنهاء الخلق بعد الموت‏.‏

وهذا التكوين العجيب كما يدل على إمكان الإيجاد بعد الموت يدل على تفرّد مكونة تعالى بالإلهية إذ لا يقدر على إيجادِ مثللِ الإنسان غيرُ الله تعالى فإن بَواطن أحوال الإنسان وظواهرها عجائِب من الانتظام والتناسب وأعجبها خلق العقل وحركاته واستخراج المعاني وخلق النطق والإهام إلى اللغة وخلق الحواس وحركة الدورة الدموية وانتساق الأعضاء الرئيسة وتفاعلها وتسوية المفاصل والعضلات والأعصاب والشرايين وحالها بين الارتخاء واليبس فإنه إذا غلب عليها التيبس جاء العجز وإذا غلب الارتخاء جاء الموت‏.‏ والخطاب للذين خوطبوا بقوله أول السورة ‏{‏إن ما تُوعَدُون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

بعد أن ذكر دلائل الأرض ودلائل الأنفس التي هم من علائِق الأرض عُطف ذكر السماء للمناسبة، وتمهيداً للقَسم الذي بعده بقوله‏:‏ ‏{‏فوربِّ السماء والأرض إنه لحق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 23‏]‏‏.‏ ولما في السماء من آية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف، فالمعنى‏:‏ وفي السماء آية المطر، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق إدماجاً للامتنان في الاستدلال فإن الدليل في كونه مطراً يحيي الأرض بعد موتها‏.‏ وهذا قياس تمثيل للنبت، أي في السماء المطر الذي ترزقون بسببه‏.‏

فالرزق‏:‏ هو المطر الذي تحمله السحب والسماء هنا‏:‏ طبقات الجو‏.‏ وتقديم المجرور على متعلقه للتشويق وللاهتمام بالمكان وللردّ على الفاصلة‏.‏

وعَطف ‏{‏وما توعدون‏}‏ إدماج بين أدلة إثبات البعث لقصد الموعظة الشاملة للوعيد على الإشراك والوعد على الإيمان إن آمنوا تعجيلاً بالموعظة عند سنوح فرصتها‏.‏

وفي إيثار صيغة ‏{‏تُوعَدون‏}‏ خصوصية من خصائص إعجاز القرآن، فإن هذه الصيغة صالحة لأن تكون مصوغة من الوعد فيكون وزن ‏{‏توعدون‏}‏ تفعلون مضارع وعَد مبنياً للنائب‏.‏ وأصله قبل البناء للنائب تَعدون وأصله تَوْعَدُون، فلما بني للنائب ضُمّ حرف المضارعة فصارت الواو الساكنة مَدة مجانسة للضمة فصار‏:‏ تُوعدون‏.‏ وصالحة لأن تكون من الإيعاد ووَزنه تأفْعَلُون مثل تصريف أكرم يكرم وبذلك صار ‏{‏توعدون‏}‏ مثل تُكرمَون، فاحتملت للبشارة والإنذار‏.‏

وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه أنه محقق في علم أهل السماء، أي الملائكة الموكلين بتصريفه‏.‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ أن مَكان حصوله في السماء، من جنة أو جهنم بناء على أن الجنة وجهنم موجودتان من قبل يوم القيامة، وفي ذلك اختلاف لا حاجة إلى ذكره‏.‏ وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه يأتيهم من قِبَل السماء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10، 11‏]‏‏.‏ فإن ذلك الدخان كان في طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

بعد أن أكد الكلام بالقسم ب ‏{‏الذاريات‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 1‏]‏ وما عطف عليها فرع على ذلك زيادة تأكيد بالقسم بخالق السماء والأرض على أن ما يوعدون حق فهو عطف على الكلام السابق ومناسبته قوله‏:‏ ‏{‏وما توعدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وإظهار اسم السماء والأرض دون ذكر ضميرهما لإدخال المهابة في نفوس السامعين بعظمة الربّ سبحانه‏.‏

وضمير ‏{‏إنه لحقّ‏}‏ عائد إلى ‏{‏ما توعدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏‏.‏ وهذا من ردّ العجز على المصدر لأنه رد على قوله أول السورة ‏{‏إن ما توعدون لصادق‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 5‏]‏ وانتهى الغرض‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مثل ما أنكم تنطقون‏}‏ زيادة تقرير لوقوع ما أوعدوه بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون‏.‏ وهذا نظير قولهم‏:‏ كما أن قبلَ اليوم أمس، أو كما أن بعد اليوم غداً‏.‏ وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير‏:‏

فهن ووادِي الرسّ كاليد للفم *** وقولهم‏:‏ مثل ما أنك ها هنا، وقولهم‏:‏ كما أنك ترى وتسمع‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏مثلَ‏}‏ بالنصب على أنه صفة حال محذوف قصد منه التأكيد‏.‏ والتقدير‏:‏ إنه لحق حقاً مثل ما أنكم تنطقون‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف مرفوعاً على الصفة ‏{‏لحق‏}‏ صفة أريد بها التشبيه‏.‏

و ‏{‏ما‏}‏ الواقعة بعد ‏{‏مثل‏}‏ زائدة للتوكيد‏.‏ وأردفت ب ‏(‏أنَّ‏)‏ المفيدة للتأكيد تقوية لتحقيق حقية ما يوعدون‏.‏

واجتلب المضارع في ‏{‏تنطقون‏}‏ دون أن يقال‏:‏ نطقكم، يفيد التشبيه بنطقهم المتجدد وهو أقوى في الوقوع لأنه محسوس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 30‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏24‏)‏ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ‏(‏25‏)‏ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ‏(‏26‏)‏ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ‏(‏27‏)‏ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ‏(‏29‏)‏ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ‏(‏30‏)‏‏}‏

انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل‏.‏ والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وغيّر أسلوب الكلام من خطاب المنذرين مواجهة إلى أسلوب التعريض تفنناً بذكر قصة إبراهيم لتكون توطئة للمقصود من ذكر ما حلّ بقوم لوط حين كذبوا رسولهم، فالمقصود هو ما بعد قوله ‏{‏قال فما خطبكم أيها المرسلون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 57‏]‏‏.‏

وكان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة بالأمم الماضية أن المشركين وصفوا آنفاً بأنهم في غمرة ساهون فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم ‏{‏لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 72‏]‏، ولأن العذاب الذي عذب به قوم لوط كان حجارة أنزلت عليهم من السماء مشبهة بالمطر‏.‏ وقد سميت مطراً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطرَ السوء‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 40‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 82‏]‏ ولأن في قصة حضور الملائكة عند إبراهيم وزوجه عبرة بإمكان البعث فقد تضمنت بشارتها بمولود يولد لها بعد اليأس من الولادة وذلك مثل البعث بالحياة بعد الممات‏.‏

ولمّا وجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏هل أتاك‏}‏ عُرف أن المقصود الأصلي تسليته على ما لقيه من تكذيب قومه‏.‏ ويتبع ذلك تعريض بالسامعين حين يُقرأ عليهم القرآن أو يبلغهم بأنهم صائرون إلى مثِل ذلك العذاب لاتحاد الأسباب‏.‏

وتقدم القول في نظير ‏{‏هل أتاك حديث‏}‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهل أتاك نبؤا الخصم‏}‏ في سورة ص ‏(‏21‏)‏، وأنه يفتتح به الأخبار الفخمة المهمة‏.‏

والضيف‏:‏ اسم يقال للواحد وللجمع لأن أصله مصدر ضَاف، إذا مال فأطلق على الذي يميل إلى بيت أحد لينزل عنده‏.‏ ثم صار اسماً فإذا لوحظ أصله أطلق على الواحد وغيره ولم يؤنثوه ولا يجمعونه وإذا لوحظ الاسم جمعوه للجماعة وأنثوه للأنثى فقالوا أضيافٌ وضيوف وامرأة ضيفة وهو هنا اسم جمع ولذلك وصف بالمكْرمين‏}‏، وتقدم في سورة الحجر ‏(‏68‏)‏ ‏{‏قال إن هؤلاء ضيفي‏}‏ والمعنيّ به الملائكة الذي أظهرهم الله لإبراهيم عليه السلام فأخبروه بأنهم مرسلون من الله لتنفيذ العذاب لقوم لوط وسماهم الله ضيفاً نظراً لصورة مجيئهم في هيئة الضيف كما سمى الملكين الذين جاءا داود خصماً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهل أتاك نبؤا الخصم‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 21‏]‏، وذلك من الاستعارة الصورية‏.‏

وفي سفر التكوين من التوراة‏:‏ أنهم كانوا ثلاثة‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل‏.‏ وعن عطاء‏:‏ جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر‏.‏

ولعل سبب إرسال ثلاثة ليقع تشكُّلهم في شكل الرجال لما تعارفه الناس في أسفارهم أن لا يقلّ ركب المسافرين عن ثلاثة رفاققٍ‏.‏

وذلك أصل جريان المخاطبة بصيغة المثنى في نحو‏:‏ «قفا نبك»‏.‏ وفي الحديث ‏"‏ الواحدُ شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ‏"‏‏.‏ رواه الحاكم في «المستدرك» وذكر أن سنده صحيح‏.‏ وقد يكون سبب إرسالهم ثلاثةً أن عذاب قوم لو كان بأصناف مختلفة لكل صنف منها ملكَهُ الموكَّل به‏.‏

ووصفهم بالمكْرَمين كلام موجه لأنه يوهم أن ذلك لإكرام إبراهيم إياهم كما جرت عادته مع الضيف وهو الذي سنّ القِرى، والمقصودُ‏:‏ أن الله أكرمهم برفع الدرجة لأن الملائكة مقربون عند الله تعالى كما قال‏:‏ ‏{‏بل عباد مكرمون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏كِراماً كاتبين‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وظرفُ ‏{‏إذ دخلوا عليه‏}‏ يتعلق ب ‏{‏حديثُ‏}‏ لما فيه من معنى الفعل، أي خَبرهم حين دخلوا عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فقالوا سلاماً قال سلام‏}‏ تقدم نظيره في سورة هود‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قال سلام‏}‏‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي ‏{‏قال سِلْم‏}‏ بكسر السين وسكون اللام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قوم منكرون‏}‏ من كلام إبراهيم‏.‏ والظاهر أنه قاله خَفْتا إذ ليس من الإكرام أن يجاهرَ الزائر بذلك، فالتقدير‏:‏ هُم قوم منكرون‏.‏

والمنكر‏:‏ الذي ينكره غيره، أي لا يعرفه‏.‏ وأطلق هنا على من ينكّر حاله ويظن أنه حال غيرُ معتاد، أي يخشى أنه مضمِر سوء، كما قال في سورة هود ‏(‏70‏)‏ ‏{‏فلما رأى أيديهم لا تصِلُ إليه نَكرهم وأوجس منهم خِيفة‏}‏ ومنه قول الأعشى‏:‏

وأنكرتني وما كان الذي نَكِرَتْ *** من الحوادث إلا الشيبَ والصَّلَعا

أي كرهت ذاتي‏.‏

وقصة ضيف إبراهيم تقدمت في سورة هود‏.‏

وراغ‏}‏ مال في المشي إلى جانب، ومنه‏:‏ رَوغان الثعْلب‏.‏ والمعنى‏:‏ أن إبراهيم حاد عن المكان الذي نزل فيه الضُيوف إلى أهله، أي إلى بيته الذي فيه أهله‏.‏

وفي التوراة‏:‏ أنه كان جالساً أمامَ باب خيمته تحت شجرة وأنه أنزل الضيوف تحت الشجرة‏.‏ وقال أبو عبيد القَاسم بن سلام‏:‏ إن الروغان ميل في المشي عن الاستواء إلى الجانب مع إخفاء إرادته ذلك وتبعه على هذا التقييد الراغب والزمخشري وابن عطيّة فانتزع منه الزمخشري أن إخفاء إبراهيم ميله إلى أهله من حسن الضيافة كيلا يوهم الضيف أنه يريد أن يحضر لهم شيئاً فلعلّ الضيف أن يكُفّه عن ذلك ويعذره وهذا منزع لطيف‏.‏

وكان منزل إبراهيم الذي جرت عنده هذه القصة بموضع يسمّى ‏(‏بلوطات مَمْرا‏)‏ من أرض جبرون‏.‏

ووصُف العجل هنا ب ‏{‏سَمين‏}‏، ووصف في سورة هود بحنيذ، أي مشوي فهو عجل سمين شواه وقرّبه إليهم، وكان الشِوا أسرع طبخ أهل البادية وقام امرؤ القيس يذكر الصيد‏:‏

فظل طهاةُ اللحم ما بين مُنضِج *** صَفيف شِواء أو قَدِيرٍ مُعَجَّل

فقيد ‏(‏قدير‏)‏ ب ‏(‏مُعَجّل‏)‏ ولم يقيد ‏(‏صفيف شواء‏)‏ لأنه معلوم‏.‏

ومعنى ‏{‏قربه‏}‏ وضعه قريباً منهم، أي لم ينقلهم من مجلسهم إلى موضع آخر بل جعل الطعام بين أيديهم‏.‏

وهذا من تمام الإكرام للضيف بخلاف ما يُطعمه العافي والسائِل فإنه يدعى إلى مكان الطعام كما قال الفرزدق‏:‏

فقلتُ إلى الطعام فقال مِنهم *** فريقٌ يحسد الأنس الطعاما

ومجيء الفاء لعطف أفعال ‏{‏فراغ‏}‏ ‏{‏فجاء‏}‏ ‏{‏فقرّبه‏}‏ للدلالة على أن هذه الأفعال وقعت في سرعة، والإسراع بالقِرى من تمام الكرم، وقد قيل‏:‏ خير البر عاجله‏.‏

وجملة ‏{‏قال ألا تأكلون‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏قربه إليهم‏}‏‏.‏

و ‏{‏ألا‏}‏ كلمة واحدة، وهي حرف عَرْض، أي رغبةٍ في حصول الفعل الذي تدخل عليه‏.‏ وهي هنا متعينة للعَرض لوقوع فعل القول بدلاً من فعل ‏{‏قرَّبه إليهم‏}‏، ولا يحسن جعلها كلمتين من همزة استفهام للإنكار مع ‏(‏لا‏)‏ النافية‏.‏

والعرض على الضيف عقب وضع الطعام بين يديه زيادة في الإكرام بإظهار الحرص على ما ينفع الضيف وإن كان وضع الطعام بين يديه كافياً في تمكينه منه‏.‏ وقد اعتبر ذلك إذناً عند الفقهاء في الدعوة إلى الولائم بخلاف مجرد وجود مائدة طعام أو سُفرة، إذ يجوز أن تكون قد أعدت لغير المدعوّ‏.‏

والفاء في ‏{‏فأوجس منهم خيفة‏}‏ فصيحة لإفصاحها عن جملة مقدرة يقتضيها ربط المعنى، أي فلم يأكلوا فأوجس منهم خيفة، كقوله‏:‏ ‏{‏أن اضرب بعصاك البحر فانفلق‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 63‏]‏، وقد صرح بذلك في سورة هود ‏{‏فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ‏(‏أي إلى العجل‏)‏ نِكرهم وأوجس منهم خيفة‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 70‏]‏‏.‏

و ‏{‏أوجس‏}‏ أحس في نفسه ولم يُظهر، وتقدم نظيره في سورة هود‏.‏ وقولهم له ‏{‏لا تخف‏}‏ لأنهم علموا ما في نفسه مما ظهر على ملامحه من الخوف، وتقدم نظيره في سورة هود‏.‏

والغلام الذي بَشروه به هو إسحاق لأنه هو ابن سارة، وهو الذي وقعت البشارة به في هذه القصة في التوراة، ووصف هنا ب ‏{‏عليم‏}‏، وأما الذي ذُكرت البشارة به في سورة الصافات ‏(‏101‏)‏ فهو إسماعيل ووُصف ب ‏{‏حليم‏}‏ ولذلك فامرأة إبراهيم الحادث عنها هنا هي سارة، وهي التي ولدت بعد أن أيست، أما هاجر فقد كانت فتاةً ولَدت في مقتبل عمرها‏.‏ وأقبلت امرأته حين سمعت البشارة لها بغلام، أي أقبلت على مجلس إبراهيم مع ضيفه، قال تعالى في سورة هود ‏(‏71‏)‏ ‏{‏وامرأتُه قائمة‏}‏ وكان النساء يحضرن مجالس الرجال في بيوتَهن مع أزواجهن ويواكلنهم‏.‏ وفي الموطأ‏}‏‏:‏ قال مَالك‏:‏ لا بأس أن تحضر المرأة مع زوجها وضيفِه وتأكل معهم‏.‏

والصَّرة‏:‏ الصياح، ومنه اشتق الصرير‏.‏ و‏{‏في‏}‏ للظرفية المجازية وهي الملابسة‏.‏

والصك‏:‏ اللطم، وصَكّ الوجه عند التعجب عادة النساء أيامئذٍ، ونظيره وضع اليد على الفم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فردُّوا أيديهم في أفواههم‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 9‏]‏‏.‏

وقولُها ‏{‏عجوز عقيم‏}‏ خبر محذوف، أي أنا عجوز عقيم‏.‏

والعجوز‏:‏ فعول بمعنى فاعل وهو يستوي في المذكر والمؤنث مشتق من العجز ويطلق على كبر السنّ لملازمة العجز له غالباً‏.‏

والعقيم‏:‏ فعيل بمعنى مفعول، وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوف مؤنث، مشتق من عَقمها الله، إذا خلقها لا تحمل بجنين، وكانت سارة لم تحمل قط‏.‏

وقول الملائكة ‏{‏كذلِك قال ربكِ‏}‏ الإشارة إلى الحادث وهو التبشير بغلام‏.‏ والكاف للتشبيه، أي مثل قولنا‏:‏ قال ربك فنحن بلّغنا ما أمرنا بتبليغه‏.‏

وجملة ‏{‏إنه هو الحكيم العليم‏}‏ تعليل لِجملة ‏{‏كذلك قال ربك‏}‏ المتقضية أن الملائكة ما أخبروا إبراهيم إلا تبليغاً من الله وأن الله صادق وعده وأنه لا موقع لتعجب امرأة إبراهيم لأن الله حكيم يدبر تكوين ما يريده، وعليم لا يخفى عليه حالها من العجز والعقم‏.‏

وهذه المحاورة بين الملائكة وسارة امرأة إبراهيم وقعَ مثلها بينهم وبين إبراهيم كما قُصّ في سورة الحجر، فحُكي هنا ما دار بينهم وبين سارة، وحكي هناك ما دار بينهم وبين إبراهيم والمَقام واحد، والحالة واحدة كما بُيّن في سورة هود ‏(‏72‏)‏ ‏{‏قالت يا ويلتى ءالِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب‏.‏‏}‏